
في مكان ما من عائلتك اتُّخذ قرار، على الأرجح بالهاتف وعلى الأرجح على عجل، بأن يقول أحد الأحفاد كلمة في الجنازة، وهذا الحفيد هو أنت. وصرت تجلس أمام ورقة عنوانها في رأسك: رثاء جدتي. أحببتها طوال عمرك، وستقف أمام أناس أحبّوها مدة أطول، وقد يكون اثنان منهم هما من ربّاك.
تجد هنا خمس كلمات للجدة وواحدة للجد، على ألسنة أحفاد من فتاة في الخامسة عشرة إلى حفيد في الأربعينيات. وواحدة منها مكتوبة ليقرأها ثلاثة أحفاد معًا. ومكتوب فوق كل واحدة مدتها، وبعد كل واحدة سطر أو سطران عن سبب نجاحها أو طريقة إلقائها. وبعد الكلمات تأتي الأجزاء التي تخص الأحفاد تحديدًا: الكلام أمام أبنائها، وكيف تجعل واحدة من هذه الكلمات كلمتك أنت.
ما تطلبه كلمة تأبين الجدة من حفيدها
أنت تتكلم أمام أبنائها. أحدهم أمك أو أبوك، وقد فقد للتوّ أمه. وبقية أبنائها وبناتها، أعمامك أو أخوالك، في الصف نفسه. كل ما تقوله عنها هو أيضًا، بهدوء، جملة عن طفولتهم، وهكذا سيسمعونه. قله على أي حال، واحرص ألا ينافس شيء منه ما فقدوه.
على الأرجح لم تعرف إلا عقودها الأخيرة. التقيتها وهي جدة أصلًا: أبطأ، وألين، وعندها من الوقت أكثر ومن القواعد أقل مما يذكره أبناؤها. ومن السهل أن تشعر أن هذه النسخة منها لا تُحتسب، أو أنه لا حق لك في الوقوف بينما يجلس خلفك من عرفوها في الثلاثين.
الأحفاد كثيرون، والمكان واحد. العائلة التي لها ثمانية أحفاد أو اثنا عشر نادرًا ما تحظى بثماني كلمات أو اثنتي عشرة، وسؤال من يتكلم قد يتحول إلى خلاف صغير في أسبوع لا يحتاج إلى خلاف.
النعي وأبناؤها سيتكفلون بسيرة حياتها. أما أنت فوقوفك هناك من أجل الجزء الذي جرى منها في بيتها: مطبخ ما بعد المدرسة، وزيارات الصيف، ومكالمات يوم الجمعة، والقواعد التي لم تكن تسري في أي مكان آخر. تلك الجدة كانت حقيقية، وكانت من بعض الوجوه إنسانة غير الأم التي عرفها أبناؤها. لا يستطيع وصفها إلا أحفادها، وهذه المرة أنت من يقف.
اختيار الكلمة الأقرب إلى حالك
الجدات هنا متخيَّلات. ضع الاسم الذي تناديها به عائلتك مكان «تيتا» أو «ستّي»، وطبقها هي مكان الرغيف بالسمن والسكر. والملاحظة بعد كل كلمة تقول ما الذي يجعلها تنجح، فتستطيع أن تفعل الشيء نفسه بمادتك أنت.
ابدأ من الكلمة التي يشبه حالها حالك أكثر من غيرها، ولو لم يتطابق شيء آخر، ثم قارن المدة المكتوبة فوقها بالوقت المتاح لك. المدد محسوبة على نحو 130 كلمة في الدقيقة، وهي سرعة متحدث يقرأ ببطء في قاعة ممتلئة، فمعظم الكلمات هنا تأخذ نحو ثلاث دقائق ونصف، وكلمة الأصوات الثلاثة نحو أربع، وكلمة المراهقة نحو دقيقتين.
وإن احتجت إلى نسخ من دقيقة أو دقيقتين، فهي في أمثلة كلمات التأبين القصيرة، ومعها الجواب الكامل عن الطول. وإن فضّلت أن تبدأ من ورقة بيضاء لا من نموذج، فالطريقة خطوة بخطوة في دليلنا إلى كتابة كلمة التأبين. وإن كانت أمك هي من تكتب عنها، فهناك صفحة مستقلة من كلمات التأبين للأم.
من حفيدة كبرت في كنف جدتها
نحو ثلاث دقائق ونصف بصوت مسموع. امرأة في الثلاثينيات كانت جدتها توصلها إلى المدرسة وتعيدها، وتبقى معها بعد الدوام بينما أمها في العمل.
من الخامسة حتى الثانية عشرة، كانت جدتي تنتظرني عند باب المدرسة كل يوم في الثالثة والربع، وبعد الثانية عشرة صرت أمشي إلى بيتها وحدي. كانت تصل دائمًا قبل الموعد، ودائمًا بالمعطف الأزرق نفسه. وفي الرابعة، على طاولة مطبخها، كان ينتظرني شيئان: كوب شاي فيه حليب أكثر من اللازم بكثير، ورغيف بالسمن والسكر.
هكذا كانت تسير عائلتنا. أمي ممرضة، في نوبات النهار بالمستشفى، والعصريات كانت لتيتا. كل يوم دراسة إلى أن أنهيت المدرسة، كانت تجلس قبالتي إلى تلك الطاولة وتسأل السؤال نفسه: «من كان لطيفًا معك اليوم يا بندقة؟» بندقة هي أنا. ولم يكن مسموحًا لأحد غيرها أن يناديني بها.
لا: ماذا تعلّمتِ. ولا: هل كنتِ عاقلة. بل: من كان لطيفًا معك.
حين كنت في السابعة كان الجواب في الغالب بنتًا اسمها سلمى تقاسمني أقلامها، فتهزّ تيتا رأسها كأن هذا خبر مهم. وكان كذلك. وفي بعض الأيام كان الجواب: لا أحد. لم تكن تستعجل إصلاح ذلك. كانت تصبّ مزيدًا من الشاي وتقول: «إذن غدًا تبدئين أنتِ.» احتجت سنوات لأفهم أنها كانت تعني: غدًا، كوني أنتِ اللطيفة.
حين صرت في الخامسة عشرة توقفت عن الإجابة. كنت أجلس إلى تلك الطاولة وفي أذني سماعة واحدة، ولا أعطيها شيئًا، معظم تلك السنة. وظلّت تسأل، كل يوم. ثم في عصر يوم من نوفمبر، حين كانت المدرسة في أسوأ أحوالها، نزعت السماعة وحكيت لها كل شيء. لم تقاطعني مرة واحدة. وحين انتهيت قالت: «شكرًا. والآن، من كان لطيفًا معك اليوم؟» قلت: «أنتِ.» قالت: «طيب، هذه بداية»، وحضّرت لي رغيفًا آخر.
في السادسة من كل مساء كانت أمي تعود من المستشفى، وقبل أن تخلع معطفها كانت تيتا تحكي لها اليوم كله: من كان لطيفًا، وما الذي ساء، وماذا أكلت أنا. ماما، العصريات كانت لتيتا والأمسيات كانت لكِ، ولم أشعر مرة واحدة بفجوة بينهما. كنتِ في العمل كي أحظى أنا بكل ذلك. كنتما فريقًا، أنتما الاثنتين، وكنت أنا المحظوظة في المنتصف.
في آخر عصر طيب مرّ عليها جلست بجانب سريرها في الرابعة وسألتها السؤال. فكّرت فيه كما ينبغي، بالطريقة التي كانت تجعلني أفكر فيه دائمًا. ذكرت ممرضتين، والرجل الذي يمرّ بالشاي على الغرف، وأمي. ثم قالت: «والآن أنتِ.»
لذلك عندي طلب صغير منكم. اسألوا شخصًا تحبونه من كان لطيفًا معه اليوم، ثم اجلسوا ساكنين واسمعوا الجواب كله، كما كانت تفعل.
لماذا تنجح: تسمع القاعة السؤال نفسه في السابعة، وفي الخامسة عشرة، وعند سريرها، فترى طفلة تكبر دون أن يقول لها أحد ذلك. واسم الدلع الذي أطلقته على الحفيدة، يُقال مرة واحدة، يُظهر ما لم يكن إلا لها. والفقرة الموجهة إلى الأم تؤدي العمل الدقيق: تشكرها دون أن تقيسها بأمها، وتعطيها نصيبًا من تلك العصريات بدل مكان خارجها.
من حفيد عاش بعيدًا
نحو ثلاث دقائق ونصف بصوت مسموع. حفيد نشأ في بلد آخر، ورأى جدته مرة في السنة، ولم يكن يتكلم من لغتها إلا نصفها.
لم أعرف جدتي كما عرفها أكثركم. نشأت على بعد تسع ساعات بالطائرة، في لغة أخرى، وكنت أراها ثلاثة أسابيع كل صيف. وبقية السنة كانت صوتًا على الهاتف عصر كل جمعة.
كنت أتكلم نحو نصف لغتها. وهي لم تكن تتكلم من لغتي شيئًا تقريبًا. فكانت أمي كل جمعة تناولني الهاتف، فتتكلم جدتي، بسرعة وبدفء، وأفهم ربما كلمة من كل ثلاث. وبعد مدة كففت عن ملاحقة الكلمات وصرت أصغي إلى الصوت نفسه. كنت أعرف من صوتها إن كانت ركبتها تؤلمها ذلك الأسبوع، أو إن كانت قلقة عليّ. كنت أقول نعم ولا وشكرًا في غير مواضعها، ولم تصحّحني مرة واحدة. كانت تمضي في الكلام فحسب، كأننا نخوض الحديث الذي تريده.
تعلّمت من لغتي ثلاث كلمات من أجلي. مرحبًا. كُل. طويل. هذا كل شيء، وقد استعملته ببراعة. في المطار كل صيف كانت تمسك وجهي بيديها الاثنتين وتقول: «مرحبًا. طويل.» ثم في شقتها، قبل أن تصل حقيبتي إلى غرفة النوم: «كُل.» خضت أحاديث أطول من هذا بكثير وقالت أقل منه بكثير.
كان لتلك الأصياف طقوسها. الحرّ على الدرج حتى الطابق الخامس. الشرفة الملأى بالنعناع والريحان في علب سمن قديمة. شوربة العدس التي كانت تطبخها كل يوم من أيام زيارتي، لأنني قلت وأنا في السابعة إنني أحبها، فعدّت ذلك أمرًا واجب التنفيذ طوال عشرين سنة.
زمنًا طويلًا شعرت بالذنب بسبب المسافة. لأنني لم أزرها أكثر، ولم أتعلم اللغة كما ينبغي قط، ولأن أولاد أخوالي وخالاتي كانوا يرونها كل أسبوع وأنا أراها مرة في السنة. وهذا الأسبوع قررت أن أضع هذا الحمل عني. هي لم تعامل الأسابيع الثلاثة يومًا على أنها قليلة. عاملتها على أنها ثلاثة أسابيع وملأت كل يوم منها، وقبل أن أغادر كانت قد بدأت تعدّ الأيام إلى الصيف التالي. لم تحاسبني على المسافة قط. أحبتني من هناك.
كل سنة، عند باب شقتها، كانت تقول الشيء نفسه وأنا أغادر. وسأقوله الآن، بلغتها، باللكنة التي لم تكن تمانعها يومًا. [عبارتها، مكتوبة كما تُنطق.] ومعناها، على وجه التقريب: انتبه لنفسك في الطريق، واتصل بي حين تهبط الطائرة.
وشيء أخير، لها ولكل من هنا كان يكلمها بلغتها كل يوم. سأتعلم بقيتها من أمي، قليلًا كل أسبوع. فات الأوان لأكلمها بها. ولم يفت الأوان لأفهمكم أنتم جميعًا.
[عبارتها]، يا [الاسم الذي كنت تناديها به]. سأنتبه لنفسي.
لماذا تنجح: المسافة تُسمّى في النفَس الأول، والذنب يوضع أرضًا علنًا بدل أن يُعتذر عنه. القاعة تعرف أصلًا كم كان بعيدًا، وما تريده هو أن تعرف كيف كانت تلك الأصياف. ثم تفعل جملة واحدة بلغتها ما لا تفعله فقرة كاملة بلغته. تدرّب على تلك الجملة مع شخص يتكلمها، واكتبها على ورقتك كما تُنطق، حتى لا يوقفك الإملاء عند المنصة.
الخرف: حين نادتني باسم أمي
نحو ثلاث دقائق ونصف بصوت مسموع. حفيدة في الثلاثينيات، تتكلم وأمها في الصف الأول.
في سنواتها الأخيرة كانت جدتي تناديني باسم أمي، وكنت أتركها تفعل.
أمي اسمها منى. وأنا لينا. في الأشهر الأولى، كلما نادتني ستّي «منى»، صحّحت لها: «أنا يا ستّي. أنا لينا.» وفي كل مرة كان قلق صغير يمرّ على وجهها، كأنها ارتكبت خطأ لا تجده، ولم أعد أحتمل أن أفعل بها ذلك. فذات جمعة رددت عليها ببساطة حين نادتني منى. فابتسمت لي كأنني عدت للتو من المدرسة.
حين كانت تظنني منى، كانت تكلمني كما لا بد أنها كانت تكلم أمي وهي بنت. كانت تقول لي البسي كنزة لأن الدنيا برد. وتسألني إن كنت أنهيت شغل الخياطة للمدرسة. وتسألني إن كان ذلك الشاب من الفرن ما زال يوصلني إلى البيت، وتقول لي بجدية تامة إن عينيه طيبتان لكن لا مستقبل له. ذلك الشاب، كما تبيّن، هو أبي. وهو جالس بجانب أمي. ومستقبله، كما ترون، صار على خير ما يرام.
قالت لي إنني أسرع سبّاحة في صفّي، وإنها آسفة لأنها لم تأتِ مرة واحدة لتراني. وقالت إنها فخورة بي لأنني وقفت في وجه المديرة. وقد أكدت أمي حكاية المديرة منذ ذلك الحين. لم يذكرها لي أحد طوال أربع وثلاثين سنة.
أسبوعًا بعد أسبوع، تعرّفت إلى بنت لم ألتقها قط. بنت تسبح بسرعة ولا تُحسن الخياطة، تجادل المديرات وتترك شابًا من الفرن يوصلها إلى البيت. بنت أحبتها جدتي حبًا جعلها، بعد أربعين سنة، ما تزال تخاف عليها من البرد.
أمي كانت تأتي بالسيارة كل صباح قبل العمل، ثلاث سنوات. وفي بعض العصريات لم يكن شيء مما نقوله يصل إلى ستّي أبدًا. لكنني أيام الجمعة كنت أجلس في مكان أمي وأسمع ما كانت جدتي تريد أن تقوله لابنتها طوال تلك السنين.
هذا الجزء الأخير لأمي.
ماما، أنا لم أكن إلا بديلة عنكِ. كل ما قالته ستّي في أيام الجمعة تلك، كانت تقوله لكِ. كانت آسفة لأنها لم تأتِ يومًا لتراكِ تسبحين. وكانت فخورة بكِ في حكاية المديرة. وكانت ترى أن لأبي عينين طيبتين، مهما قالت عن مستقبله. وكانت تريدك أن تلبسي كنزة، لأن الدنيا برد. كتبتها كلها بعد كل زيارة، على ظهور تذاكر موقف السيارات في دار الرعاية. عندي منها مئة وأربعون في مظروف في حقيبتي. إنها لكِ.
شكرًا يا ستّي لأنكِ عرّفتني بها. وشكرًا لأنكِ ناديتني بأجمل اسم كنتِ تعرفينه.
لماذا تنجح: أصعب حقيقة في السطر الأول، والكلمة لا تحاول أبدًا أن تشرح المرض؛ تقول كيف كانت تلك السنوات على من عاشوها. التشوّش يصير تاريخًا عائليًا، وفي النهاية تلتفت الكلمة إلى جمهورها الحقيقي في الصف الأول وتسلّم الأم ما قيل لها عبر شخص آخر. اعرض هذه الكلمة على أمك أو أبيك قبل اليوم. فالكلمات كانت موجهة إليه أصلًا، فليقرر هو أيّها يُقرأ بصوت مسموع وأيّها يبقى في المظروف.
رثاء جدتي في دقيقتين: كلمة يلقيها حفيد مراهق
كلمة تأبين قصيرة لجدتها، نحو دقيقتين بصوت مسموع، من فتاة في الخامسة عشرة بكلماتها هي.
أنا مايا، وأنا أصغر أحفاد جدتي.
جدتي كانت الوحيدة التي أعرفها تضع نقطة في آخر الرسائل. كل رسالة. «مرحبًا مايا. أنا جدتك. هل فزتم.» بلا علامة استفهام. أبدًا. وكانت توقّع كل رسالة بعبارة «مع حبي، جدتك»، احتياطًا لو ظننت أن أحدًا غيرها يراسلني من هاتفها.
«هل فزتم» كانت عن كرة القدم. كانت تسأل كل سبت. ولم تكن تفهم كرة القدم أبدًا. كانت تسمي حارس المرمى «الذي لا يسمحون له بأن يركض» وكانت تشفق عليه فعلًا.
حين بدأت امتحاناتي السنة الماضية، صارت تراسلني كل صباح في السابعة. «بالتوفيق يا مايا. أنتِ ذكية. مع حبي، جدتك.» كل صباح ثلاثة أسابيع. لم أكن أرد دائمًا. ليتني رددت أكثر. لكنني احتفظت بها كلها. عندي على هاتفي مئتان وإحدى عشرة رسالة منها، وكل واحدة تنتهي بالطريقة نفسها.
آخر مرة رأيتها، طلبت مني أن أريها كيف ترسل صورة. فأريتها. التقطت لي صورة من الطرف الآخر للطاولة وأرسلتها إليّ في الحال. وكان مكتوبًا معها: «هذه أنتِ. مع حبي، جدتك.»
في بيتها كان مسموحًا لك أن تأكل الحلو قبل العشاء إذا كانت تمطر. هذه كانت قاعدتها. وكانت تمطر كثيرًا عند جدتي.
لا أعرف فعلًا كيف أنهي هذا. جدتي كانت تقول دائمًا إنك حين تقول ما جئت لتقوله، تتوقف. لذلك سأتوقف كما كانت تتوقف هي. مع حبي، مايا.
لمن يساعد من الكبار: دع المراهق يختار إن كان سيتكلم، ودعه يغيّر رأيه في اليوم نفسه. احتفظ بصياغته هو، حتى الأجزاء التي كنت ستصقلها، لأن النقاط في آخر الرسائل لا تُضحك إلا حين تكون فتاة في الخامسة عشرة هي من لاحظتها. اطبعها بخط كبير، وليقف بجانبه شخص كبير يثق به ومعه نسخة. دقيقتان تكفيان تمامًا، وأقل من ذلك لا بأس به.
حين يتكلم عدة أحفاد معًا
نعم، يمكن لعدة أحفاد أن يتكلموا في الجنازة، وأبسط شكل لذلك كلمة واحدة مكتوبة لعدة أصوات، لا ثلاث كلمات متتالية. يأخذ كل واحد منكم جزءًا، ولا يكرر أحد قصة، وتلتقي القاعة بها مرة واحدة، من ثلاث جهات. الكلمة أدناه لثلاثة من الأحفاد ومدتها نحو أربع دقائق بصوت مسموع. يأخذ كل واحد غرفة من بيتها، ويقول الثلاثة السطر الأخير معًا.
الأكبر: نحن أحد عشر حفيدًا، ففعلنا ما كانت تيتا ستفعله. قسمنا البيت بالعدل، وأخذ ذلك يومين. الثمانية الآخرون واقفون خلفنا، وأسماؤهم في كتيّب المراسم. أنا الأكبر، ونصيبي المطبخ.
مطبخ تيتا هو المكان الذي تعلّم فيه كل واحد منا أن يكون نافعًا. لم يكن مسموحًا لك أن تجلس فيه ويداك فارغتان. أول مرة تبيت عندها، في السادسة تقريبًا، كانت تعطيك سكينًا صغيرة ووعاء بطاطا وتقول: «رفيع. البطاطا بفلوس.» كل جمعة طوال ثلاثين سنة كان على مائدتها من تسعة أشخاص إلى عشرين، ولم يرها أحد منا قط تجلس قبل أن يكون أمام الجميع صحن. كانت تطعمنا كلنا من قدر واحدة، ثم تعيد كل واحد إلى بيته ومعه مرطبان من شيء ما. سألتها مرة لماذا لا تأكل أولًا. قالت: «آكل وأنا أطبخ. من تظنّ يذوق الطبخة؟»
الوسطى: ونصيبي الحديقة. حديقتها كانت في معظمها حبل غسيل. للوبياء ركن وللورد ركن آخر، لكن الحبل هو الجزء المهم، لأن الحبل هو المكان الذي كانت تصغي فيه. إن كان هناك ما يضايقك، تخرج إليها وتناولها المشابك. لم تكن تنظر إليك وأنت تتكلم. كانت تنظر إلى الشرشف الذي تنشره، وبطريقة ما كان ذلك يجعل الكلام ممكنًا. أخبرتها هناك أنني رسبت في امتحان القيادة، ثلاث مرات. أخبرتها أنني سأنتقل إلى المدينة. أخبرتها أنني سأتزوج قبل أن أخبر أبي وأمي، فنشرت كيس مخدة كاملًا قبل أن تقول: «جيد. يطوي الأشياء كما يجب.»
الأصغر: ونصيبي غرفة الضيوف. غرفة الضيوف كانت للزوار، وللأخبار. في الأيام العادية كنت تجلس في المطبخ. وإن كان هناك أمر مهم، أخذتك إلى غرفة الضيوف وأغلقت الباب. الأخبار الطيبة والسيئة، كلتاهما. المواليد الجدد. نتائج الامتحانات. المكالمة عن جدّو. كانت تجلس على الكرسي الأخضر بجانب النافذة، وتجلس أنت على الكنبة، وتسمع الأمر كله قبل أن تقول كلمة. ثم تضع إبريق الشاي على النار، وكان ذلك يعني أن الأمور ستكون بخير. كنت آخر حفيد أخذته إلى غرفة الضيوف. كان ذلك في الربيع. قالت لي إنها لن تتحسن، ثم سألتني عن امتحاناتي، لأنها قالت إنه الحديث الأمتع.
الأكبر: منذ أن يعي أي منا، كان كل من يدخل من باب مطبخها ينادي الشيء نفسه: «تيتا؟» ومن مكان ما في البيت كانت تجيب: «أنا هنا.»
الوسطى: من المطبخ في الصباح. ومن الحديقة بعد الظهر.
الأصغر: ومن غرفة الضيوف في المساء، حين يكون للأمر شأن.
الأكبر: البيت هادئ الآن، فنحن اليوم من يجيب.
الثلاثة معًا: نحن هنا يا تيتا. كلنا.
هذه الكلمة تقسمها بحسب المكان، وهذا ينجح حين يكون الأحفاد كلهم قد عرفوها في السنوات نفسها. وإن كانت أعماركم تمتد عقودًا، فقسّموها بحسب العقود، حتى لا يروي اثنان القصة نفسها. تدرّبوا على الترتيب مرة، معًا وبصوت عالٍ، حتى لا يفوت أحدًا دوره. أعطوا كل متحدث نسخته المطبوعة وسطوره معلّمة عليها، واتفقوا على من يكمل إن خان أحدَكم صوته. وإن أراد أكثر من ثلاثة أو أربعة منكم جزءًا، أو كانت الرعية لا تسمح إلا بمتحدث واحد، فليقرأ واحد بينما يقف الآخرون وتُذكر أسماؤهم، وليتكلم الباقون على المائدة بعد الدفن. وإن كان على حفيد واحد أن يلقي الكلمة باسم الأحفاد جميعًا، فالأكبر أو الأقرب إليها اختيار طبيعي، لكن الاختيار الصحيح هو من يتفق عليه الأحفاد.
للجد، من حفيده
كلمة تأبين للجد من حفيد في الأربعينيات، نحو ثلاث دقائق ونصف بصوت مسموع، لرجل احتفظ لنفسه بسنواته الأولى الصعبة. وتستطيع الحفيدة أن تستعملها بتعديل طفيف.
كان جدي أكثر من رأيت كلامًا في حياتي. كان يكلم سائقي الحافلات، والرجل في كشك الجرائد، والتلفاز، ويكلمني أنا، في كل شيء تقريبًا: كرة القدم، وسعر الخبز، وكيف تعرف أن البطيخة ناضجة. في كل شيء تقريبًا. الموضوع الوحيد الذي لم يتكلم فيه قط هو أول خمس وعشرين سنة من عمره. إن سألته قال: «آه، كنت أشتغل»، وعاد إلى البطيخة.
يوم الأحد اتصلت بي أخته الصغرى، عمّة أبي سعاد، من البلدة التي وُلدا فيها. وفي أربعين دقيقة أخبرتني بما لم يخبرني به هو في أربع وأربعين سنة.
ترك المدرسة في الحادية عشرة ليعمل مع أبيه في معمل الطوب. وفي التاسعة عشرة جاء إلى هذا البلد ومعه عنوان على قصاصة ورق، ولا يعرف من لغة البلد كلمة واحدة. أربع سنوات تقاسم غرفة مع خمسة رجال آخرين واشتغل ليلًا في مغسلة، وكل شهر كان يرسل إلى البيت نصف ما يكسبه، حتى تبقى سعاد في المدرسة. قالت لي على الهاتف: «كل ما عندي، عندي لأنه نام في غرفة مع خمسة رجال.»
لم أكن أعرف شيئًا من هذا. وحين وضعت الهاتف، فكرت في الشطرنج.
علّمني الشطرنج وأنا في الثامنة. كان يأخذ عشر دقائق في النقلة الواحدة، وأحيانًا أكثر، وإن استعجلت وضع يده على قطعتي وقال: «انظر إلى الرقعة كلها أولًا.» كنت أظن أن هذه طريقة لعب العجائز فحسب. أما الآن فأظنه شيئًا قرّره. رجل لم يكن في سنوات شبابه وقت، اشتغل ليلًا ووقف في الطوابير من أجل أوراقه وعدّ كل قرش، اختار أن يقضي شيخوخته أصبر إنسان عرفه أي منا.
لم يخبرنا قط كم كان الأمر صعبًا، وكنت أظن ذلك خسارة. وذلك أيضًا كان قرارًا. لم يكن يريدنا أن نحمله. كان يريد لنا كرة القدم والبطيخ والشطرنج، وجدًّا يجادل التلفاز. أعطانا النسخة السهلة من نفسه عن قصد، واحتاج عمره كله ليبنيها.
لم تستطع سعاد السفر اليوم. وطلبت مني أن أقول لكم إنها كانت معلمة أربعين سنة بفضله. يا عمّتي سعاد، شكرًا لأنكِ أخبرتِني. الآن عرفت من أين جاء الصبر.
يا جدّو، ما زلت ألعب، وما زلت بطيئًا. ابني في الثامنة. وقد صففت القطع على الرقعة.
لماذا تنجح: الاكتشاف المتأخر يصل سريعًا، حفنة من الوقائع مع مصدر مسمّى، ثم يُعاد توجيهه إلى ذكريات تتقاسمها القاعة كلها، فيرى كل واحد عصرياته هو معه من جديد. الكلمة لا تلومه أبدًا على صمته، بل تقرأ الصمت على أنه اختيار صُنع من أجل الأحفاد. وإن عرفت هذا الأسبوع شيئًا يغيّر الرجل الذي عرفته، فقل من أين عرفته، واكتفِ بثلاث وقائع أو أربع، ودعها تفسّر شيئًا واحدًا كنت تحبه أصلًا. وإن كان خير ما يرويه شيء واحد احتفظ به، فإن الكلمة المبنية حول شيء واحد في صفحتنا عن كلمات تأبين شخصية تشبه أصحابها قائمة على نموذج آخر.
الكلام أمام أبنائها
أخبر أمك أو أباك وبقية أبنائها وبناتها بما تنوي قوله قبل اليوم، حتى لا يقع شيء منه مفاجأة. اسأل كل واحد منهم سؤالًا واحدًا، مثل كيف كانت حين كانوا صغارًا. ستحصل على قصة تستطيع استعمالها، وسيعرفون أنك تتكلم معهم لا من فوق رؤوسهم. لا تصحّح تاريخ العائلة أمام الناس. إن روى خالك قصة على غير وجهها، فدعه. بعض الذكريات لأبنائها أولًا: البيت الذي كبروا فيه، والسنوات الصعبة التي عاشوها معها. اترك هذه لهم، أو استأذن قبل أن تستعير واحدة منها.

كلمة التأبين لجدة كنت تناديها «تيتا» ينبغي أن تقول «تيتا»، ولجدة كنت تناديها «ستّي» ينبغي أن تقول «ستّي». استعمل الاسم الذي كانت تُجيب عليه في البيت، سواء كان «نينة» أو «حبّوبة» أو شيئًا لا تقوله إلا عائلتك. ففي بعض اللغات تخبر الكلمة نفسها القاعة من أي جهة من العائلة جاءت، فاستعمل الكلمة التي كنت تستعملها أنت، لا الكلمة الرسمية.
خمسة أسئلة لا يجيب عنها إلا حفيد
قبل أن تستعير سطرًا واحدًا مما سبق، اقضِ عشرين دقيقة مع هذه الأسئلة الخمسة. إنها مكتوبة لكلمة تأبين الجد أو الجدة، وأجوبتها في العادة هي الأجزاء التي لا يستطيع أحد غيرك في القاعة أن يرويها.

- ما الذي كان مسموحًا في بيتها وحده؟ السهر، والحلو قبل العشاء، والكرسي المميّز، والتلفاز وقت الأكل. الاستثناءات التي كانت تسمح بها لك تخبر القاعة من كانت معك.
- بأي اسم كانت تناديك؟ لا الاسم الذي في شهادة ميلادك. إن كان يحرجك قليلًا، فمكانه في الكلمة.
- كيف كان صوت بيتها أو رائحته في ساعة محددة من اليوم؟ السابعة صباحًا، ظهر الجمعة، الساعة التي تسبق غداء العائلة. اختر الساعة أولًا، وستأتي التفاصيل.
- ماذا كانت تقول عن أمك أو أبيك في طفولته؟ اسأل أمك أو أباك. هذا يعطيك قصة من قبل أن تولد، ويعطي أمك أو أباك دورًا هادئًا في كلمتك.
- ماذا كانت تحتفظ به؟ درج الخيطان، وكل بطاقة عيد ميلاد أرسلتها لها، وصور المدرسة مرتبة على جدار الممر. ما تحتفظ به الجدة يخبر القاعة بما كانت تنتبه إليه.
اختر جوابًا واحدًا تبني عليه، واستعمل الباقي تفاصيل. وحين تكون لديك مسودة، اقرأها بصوت عالٍ على واحد من أحفادها الآخرين، ابن عم أو ابنة خالة. فقد عرف الجدة نفسها من زاوية أخرى، وسيلتقط القصة التي تخص غيرك: التي تنوي خالتك أن ترويها، أو التي حدثت لأخيك لا لك. وقد يعيد إليك أيضًا التفصيل الذي نسيته.
الأسئلة التي ما زالت تستحق أن تُسأل
وأنت تكتب هذه الكلمة، وجدت على الأرجح الأسئلة التي لم تسألها إياها قط: لماذا تركت البلدة التي وُلدت فيها، وكيف كانت في العشرين، وماذا كانت تعني بتلك العبارة التي كانت تقولها دائمًا. بعض تلك الأجوبة ما زال في العائلة، ومن يحملونها قريبون منك: أبناؤها، وربما جدّ ما زال بيننا.
صفحتنا عن أسئلة تسألها لوالديك قبل رحيلهما تصلح للجد والجدة بالقدر نفسه، ودليلنا إلى تسجيل صوتك لعائلتك يشرح كيف تصنع التسجيل فعلًا. لا أحد مطالب بفعل هذا في أسبوع الجنازة. فالأسئلة كثيرًا ما تكون أسهل حين يهدأ البيت من جديد، وعصرٌ من تلك الأجوبة، بصوت تعرفه، شيء تستطيع العائلة كلها أن تحتفظ به.
على Goodbye App تستطيع أن تكتب رسالة لمن تسمّيهم وتضيف إليها تسجيلًا بصوتك أنت، وكذلك يستطيع أب أو أم أو جد أو جدة ما زالوا بيننا. تختار اليوم والساعة اللذين تخرج فيهما كل رسالة بالبريد الإلكتروني، حتى ثلاثين سنة مقدمًا، وتبقى خاصة حتى تُرسل. وهو مجاني، على الويب وعلى أندرويد. وإن أراد جد أو جدة ممن بقوا أن يكتب إلى الأحفاد، فدليلنا إلى كتابة رسالة إلى أحفادك مكتوب له.
أسئلة شائعة
كيف أبدأ كلمة تأبين لجدتي؟ بمن كانت هي لك، في جملة واحدة بسيطة تستعمل الاسم الذي كنت تناديها به: «كانت تيتا تنتظرني عند باب المدرسة كل يوم سبع سنوات.» ثم ادخل مباشرة في مشهد واحد. الشكر وخطوط حياتها العريضة يمكن أن تنتظر، أو تُترك للكتيّب المطبوع.
كم ينبغي أن تطول كلمة تأبين الجدة؟ من ثلاث إلى خمس دقائق هو المعتاد لمتحدث واحد، ومن دقيقتين إلى ثلاث لكل واحد حين يتكلم عدة أشخاص. والكلمات في هذه الصفحة تتراوح بين دقيقتين ونحو أربع، وصفحتنا عن أمثلة كلمات التأبين القصيرة فيها نسخ من دقيقة ومن دقيقتين.
هل يمكن لعدة أحفاد أن يلقوا كلمة تأبين واحدة معًا؟ نعم. اكتبوا كلمة واحدة لعدة أصوات، يأخذ فيها كل واحد منكم جزءًا، كما يفعل الأحفاد الثلاثة أعلاه. وإن لم يستطع أن يتكلم إلا واحد منكم، فليقرأ واحد باسم الجميع بينما يقف الآخرون وتُذكر أسماؤهم.
ماذا لو لم أكن أعرف جدتي جيدًا؟ قل ذلك في جملة واحدة، قرب البداية، ثم تكلم عن الجزء الذي عرفته: الزيارات، والمكالمات، وعصر يوم واحد. اطلب من أمك أو أبيك قصة واحدة من قبل أن تولد، وقل لمن هذه القصة. الكلمة الصغيرة الصادقة خير من الكبيرة المستعارة.
هل ينبغي لطفل أو مراهق أن يتكلم في جنازة جده أو جدته؟ فقط إن اختار ذلك. أعطه الخيار، ودعه يغيّر رأيه في اليوم نفسه، وأبقِ قريبًا منه شخصًا كبيرًا يثق به. ويمكن للطفل الأصغر أن يشارك في التحضير بدلًا من ذلك، باختيار قصيدة أو صنع بطاقة.
هل يمكن لحفيد أن يتكلم في جنازة تُقام في الكنيسة؟ كثيرًا ما يمكن، لكن اسأل أولًا. ففي قداس الجنازة الكاثوليكي تحتاج كلمات الذكرى في كثير من الأبرشيات إلى إذن الكاهن، وتأتي بعد المناولة، قبيل التوديع الأخير. وللكنائس والأديان الأخرى أعرافها، فاسأل من يقود المراسم. وإن لم يكن هناك متسع، فتكلم في سهرة الصلاة إن سمحت الرعية بذلك، أو في بيت العزاء، أو عند القبر، أو على المائدة بعد الدفن.
ماذا لو لم أستطع إكمالها؟ توقف، وتنفّس، وانظر إلى الورقة حتى يعود السطر، وأعطِ نسخة احتياطية لشخص قريب في الصف الأول يستطيع أن يكملها إن لم يعد. والبقية في دليلنا إلى إلقاء كلمة التأبين دون بكاء.
Every person has a legacy®
ابدأ




